حسن الأمين
179
مستدركات أعيان الشيعة
القنابل من المدافع . وارتجت المدينة بأصواتها . وهب الناس من مضاجعهم مذعورين . وبادر رؤساء القوزاق إلى إرسال فرق من جندهم إلى مخافر الشرطة وأمروهم باحتلالها واعتقال رجالها . فاستسلمت المخافر كلها إليهم بلا مقاومة . إلا أن دائرة الشرطة المركزية قاومت قليلا . وقاوم أحد المخافر أيضا مدة ساعة تقريبا . وانجلت هذه المقاومة عن عشرة قتلى من رجال الشرطة وثلاثة قتلى وجريح واحد من القوزاق . وقيل إن « رضا خان » خاف خوفا شديدا حين نهض رجال ذلك المخفر إلى المقاومة ، وقال لمن حوله : إن اقتدى مخفر أو أكثر بهذا المخفر وهب رجاله إلى المقاومة فسيطلع الصباح ونحن في أماكننا عاجزين عن التسلط على المدينة . وعندئذ نؤسر . فخير لنا أن نفر الآن . ولكن رفاقه ثبتوه وصرفوه من هذا الرأي . ولما احتل القوزاق إدارة الشرطة فتحوا باب السجن وأطلقوا المحابيس . وتوهم أحد المحابيس أن القادمين هم الثوار الشيوعيون قد احتلوا المدينة ، فصاح يتملقهم « زنده باد بلشفيك » ( عاش البلاشفة ) . وكان ردهم على تحيته رصاصة أطلقوها عليه فأردته قتيلا ! واجتمع مدير الشرطة العام ورؤساء المهاجمين من القوزاق فطلبوا أن يأمر رجال الشرطة بموافقة القوزاق ومعاونتهم ، فعلق إجابتهم إلى طلبهم على حصوله على إذن من الشاه . وتعهد لهم ، بناء على طلبهم ، بان لا يتدخل في مجرى الوقائع الجديدة . وفي الصباح بكر مدير الشرطة إلى قصر الشاه وأطلعه على ما دار بينه وبين رؤساء القوزاق من حديث . فاذن الشاه بان يتعاون رجال الشرطة والقوزاق في حفظ الأمن والنظام . ويستفاد من وثائق وزارة الخارجية البريطانية أن السفير الانكليزي زار الشاه حين دخول القوزاق إلى العاصمة فوجده شديد الهم وتشوش الخاطر . واستشاره الشاه في ما يفعل فطمانه السفير إلى حسن مقاصد قادة الانقلاب . وأشار عليه بان يبادر إلى مسالمتهم والارتباط بهم والاطلاع على نواياهم ومطالبهم وإجابتهم إلى كل ما يلتمسونه منه بلا تردد ، لأن وضع العاصمة الحاضر قد جعل القوزاق متسلطين على كل شيء . وما يستطيع الشاه أن يتخذه من خطة عملية هو هذا التصرف ولا شيء غيره . ووافق الشاه السفير على رأيه . وفي الصباح ( 4 إسفند سنة 1299 ه . ش ) أقيمت على كل شيء بوابة من بوابات المدينة وعلى كل مدخل من مداخل السفارات جماعة من الحرس يمنعون الدخول والخروج لا يسمحون به لأحد سوى موظفي السفارات بالدخول إلى سفاراتهم والخروج منها . وأغلقوا أبواب الوزارات والدوائر الحكومية ومنعوا دخول الموظفين إليها . وقطعوا كل أسلاك تلفونات المدينة . وختموا بالشمع الأحمر مراكز التلفونات التي في خارج طهران المستعملة للاتصال بالولايات ليمنعوا وصول الخبر إلى الولايات . وتأخروا في ختم مركز خط قم لبعده فأمكن إيصال الخبر إليها . وكان ما وصل إلى قم هو أن الثوار الشيوعيين هم الذين احتلوا العاصمة . فدب الذعر في قم وأخلى التجار دكاكينهم مما فيها ونقلوه إلى بيوتهم . وفي ذلك الصباح استطاع جماعة أن يلجاوا إلى السفارة الأميركية . واستطاع « السبهدار » رئيس الوزارة أن يلجا إلى السفارة الإنكليزية . ثم بلغه أن اسمه ليس في قائمة المراد اعتقالهم ، فخرج من السفارة في نفس اليوم . وظل الناس في بيوتهم لا يجرؤن على الخروج بضع ساعات بعد طلوع النهار . ثم أخذوا ، شيئا فشيئا ، يترددون في الشوارع . ولكن الطرقات ظلت خالية من كل وسائل النقل كالحناتير وغيرها . إذ منع المحتلون سيرها لئلا يستعملها الذين تقرر اعتقالهم للفرار . وكان إغلاق أبواب المدينة وإقامة الحرس عندها وعند مداخل السفارات من أجل هذه الغاية أيضا . وعند العصر شاهد الناس السيد « ضياء الدين الطباطبائي » يستقل سيارة رئاسة الوزارة ، وقد أصلح شعر رأسه وبقية لحيته واعتمر « الكلاه » يتجول في شوارع طهران . مطالب الانقلابيين من الشاه وعند غروب ذلك اليوم ( 4 إسفند سنة 1299 ه . ش ) كان ضابط قوزاقي يستأذن على الشاه في قصر « فرحآباد » خارج طهران مندوبا عن السيد « ضياء الدين الطباطبائي » « ورضا خان » ليقوم بأول اتصال بين الشاه والانقلابيين وليعرض على الشاه مطالب الانقلابيين . وكانت مطالبهم : - تعيين السيد « ضياء الدين الطباطبائي » صاحب جريدة « رعد » رئيسا للوزارة . - منح الضابط « رضا خان » رتبة قائد الجيش . - تعيين يوم يستعرض فيه الشاه جنود القوزاق كلهم . وقد قبل الشاه كل هذه المطالب على مضض ، ولا سيما تعيين الطباطبائي لرئاسة الوزارة . ولما دخل الطباطبائي على الشاه أول مرة بعد أن تقرر تعيينه رئيسا للوزارة اقترح على الشاه أن يجعل عنوانه الرسمي في مرسوم التعيين « دكتاتور إيران » بدلا من « رئيس الوزارة » . فرفض الشاه طلبه وأفهمه أن إعطاءه هذا العنوان إنما هو حط من شان المقام الملكي . تدابير الانقلابيين أعلن الانقلابيون الأحكام العرفية ساعة تم استلاؤهم على طهران . وفي الصباح ( 4 إسفند سنة 1299 ه . ش ) بدأوا حملة اعتقالات ، فاعتقلوا جماعة وألقوا بهم في السجون . وفي عصر ذلك اليوم عمموا على كل الولايات إعلاما بقيام الحكم العسكري فيها ، فأرسلوا إلى كل ولاية حاكما عسكريا من طهران . وعند غروب اليوم التالي ( 5 إسفند سنة 1299 ه . ش ) نشر « رضا خان » بيانا مطبوعا على الجدران في كل نواحي طهران وفيه تعليمات يأمر الناس بالتقيد بها ، وبدأ هذا البيان بكلمة « آمر بكذا » . وختم بالتوقيع عليها هكذا « رئيس كتيبة قوزاق صاحب الجلالة والقائد العام للقوات - رضا » . وفي هذه التعليمات أمر بوجوب التزام الطاعة لأحكام الحكم العسكري